اللجنة الدائمة : الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فإن [ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ] استعرضت ما ورد إليها من تساؤلات ، وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالات بشأن الدعوة إلى [ وحدة الأديان ] : دين الإسلام ، ودين اليهود ، ودين النصارى ، وما تفرع عن ذلك من دعوة إلى بناء مسجد وكنيسة ومعبد في محيط واحد ، في رحاب الجامعات والمطارات والساحات العامة ، ودعوة إلى طباعة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلاف واحد إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة ، وما يعقد لها من مؤتمرات وندوات وجمعيات في الشرق والغرب.
وبعد التأمل والدراسة فإن [ اللجنة ] تقرر ما يلي :
إن الدعوة إلى : [ وحدة الأديان ] والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة ، والغرض منها خلط الحق بالباطل ، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه ، وجر أهله إلى ردة شاملة ، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه : ( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) . [ البقرة : 217 ] .
وقوله - جل وعلا - : ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) . [ النساء : 89 ] .
• وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر ، والحق والباطل ، والمعروف والمنكر ، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين ، فلا ولاء ولا براء ، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله ، والله - جل وتقدس - يقول : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) . [ التوبة : 29 ] .
ويقول - جل وعلا - : ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) . [ التوبة : 36 ] .
• أن الدعوة إلى [ وحدة الأديان ] إن صدرت من مسلم ؛ فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام ، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد ؛ فترضى بالكفر بالله - عز وجل - ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب ، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان ، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا ، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع .
• وتأسيسا على ما تقدم :
1) فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا ورسولاً ، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة ، والتشجيع عليها ، وتسليكها بين المسلمين ، فضلا عن الاستجابة لها ، والدخول في مؤتمراتها وندواتها ، والانتماء إلى محافلها .
2) لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردين ، فكيف مع القرآن الكريم في غلاف واحد !! فمن فعله أو دعا إليه ؛ فهو في ضلال بعيد ، لما في ذلك من الجمع بين الحق [ القرآن الكريم ] والمحرف أو الحق المنسوخ [ التوراة والإنجيل ] .
3) كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة : [ بناء مسجد وكنيسة ومعبد ] في مجمع واحد ، لما في ذلك من الاعتراف بدين يعبد الله به غير دين الإسلام ، وإنكار ظهوره على الدين كله ، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة ؛ لأهل الأرض التدين بأي منها ، وأنها على قدم التساوي ، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان .
ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال ؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين ، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله - تعالى الله عن ذلك - ؛ كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس [ بيوت الله ] ، وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله ، لأنها عبادة على غير دين الإسلام ، والله تعالى يقول : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . [ آل عمران : 85 ] .
بل هي : بيوت يكفر فيها بالله . نعوذ بالله من الكفر وأهله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في " مجموع الفتاوى " : (22/162) : ( ليست - أي : البيع والكنائس - بيوت الله ، وإنما بيوت الله المساجد ، بل هي بيوت يكفر فيها بالله ، وإن كان قد يذكر فيها ، فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار ، فهي بيوت عبادة الكفار ) .
• ومما يجب أن يعلم : أن دعوة الكفار بعامة وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة ، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن ، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام ، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه ، أو إقامة الحجة عليهم .
( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) . [ الأنفال : 42 ] .
قال الله تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) . [ آل عمران : 64 ] .
أما مجادلتهم ، واللقاء معهم ، ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم ، وتحقيق أهدافهم ، ونقض عرى الإسلام ومعاقد الإيمان ؛ فهذا باطل يأباه الله ورسوله والمؤمنون - والله المستعان على ما يصفون - . قال تعالى : ( وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ) . [ المائدة : 49 ] .
وإن [ اللجنة ] إذ تقرر ذلك وتبينه للناس ؛ فإنها توصي المسلمين بعامة وأهل العلم بخاصة بتقوى الله تعالى ومراقبته ، وحماية الإسلام ، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال ودعاته ، والكفر وأهله ، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة : [ وحدة الأديان ] ، ومن الوقوع في حبائلها ، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سببًا في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين وترويجها بينهم .
نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى : أن يعيذنا جميعًا من مضلات الفتن ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، حماة للإسلام على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه وهو راض عنا .
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
مواقع النشر (المفضلة)