بيتك.. بيتك

دعاء ممدوح


هكذا يقول المصريون (من هواة تربية الطيور) للكتاكيت الصغيرة بعدما تنتهي من يوم شاق من العبث واللهو وبعثرة الطعام وممارسة جميع أنواع النشاطات التي تحبها، يقولون لها هذه العبارة: ( بيتك .. بيتك) وهم يجمعونها ليخلدوا للراحة (أحيانا وهم غير راغبين) داخل العشش الخاصة بهم على أسطح المنازل أو في أفنية دور الفلاحين والمزارعين..

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


ولا أدري لم تذكرت هذه العبارة وأنا أستمع من زميلة العمل عن انتهاء دورة النشاط الصيفي بالمسجد الذي يذهب إليه بناتها، وهو بداية نهاية الأنشطة المختلفة التي كانوا يمارسونها في الصيف واحدا تلو الآخر.. آخذة بتلابيبهم نحو ما ينتهي إليه مصير إجازة الصيف كل عام وهو الدراسة.. قد آن الأوان ليحل العام الدراسي؛ فيلتهم معه كل الأنشطة.. (ولا أدري لماذا؟) وهو ما يجعلهم يكرهون قدومه برتابته وملله ودوامته الطاحنة التي لا تتيح لهم ولا لأسرهم فرصة ممارسة أي نشاط رياضي أو ثقافي أو اجتماعي‍‍! نعم إن قدوم الدراسة لأطفالنا ممن يمارسون نشاطًا أو يستثمرون أوقاتهم تعني (بيتك.. بيتك)!.

التنظيم هو الحل..

برغم أن العام الدراسي طويل نسبيًا فإن المقررات الدراسية لا تتوزع عليه توزيعًا منظمًا يضمن أن يكون هناك اعتدال في مستوى أداء الطالب لواجبات الاستذكار وممارسته لهواية أو نشاط يحبه؛ فهو في سلسلة من الضغوط والتخلخلات التي لا تسمح بتوزيع منظم للجهد وتنوع أشكال تلك الجهود، فحين يأتي التخلخل بعد التضاغط تكون الطاقة العصبية والنفسية قد فرغت، وقبل أن يمكن إعادة شحنها يهب الإعصار الجديد الذي لا يسمح برفع الرأس حتى لرؤية ما يجري خارجًا.

ولقد لبثت طويلا أفكر ما حل هذه المشكلة حتى لا يعاني الأطفال من انقطاع تام عن كافة أشكال النشاط طيلة أيام العام الدراسي، بل وحتى لا تتباطأ فعاليات القائمين على هذه الأنشطة إلى درجة إيقافها في بعض الأحيان في أوقات الدراسة لضعف الإقبال عليها، ما الحل؟! إن اليوم الدراسي بالكاد يفي بما يُكبَّل به الطفل المسكين من واجبات ودروس، تدخل في رأسه كما ننفخ البالون بالهواء، ثم لا تلبث أن تنفجر، ويضيع كل ما كان بها من هواء بمجرد شكة دبوس (انتهاء العام)، وكذلك الصيف الممتع الذي يملأ الذهن والجسم بالاستفادة والسعادة ما يلبث أن تقدم الدراسة حتى تغسل كل هذه الآثار الطيبة غسيلا جيدًا، ثم نبدأ من نقطة البداية مرة أخرى في العام القادم، وهكذا، كما أن هناك من النماذج التي تظل على علاقة وثيقة بتمارينها ونشاطاتها الرياضية؛ فقد يتعارض ذلك أحيانا مع تلبيتهم لمطالب الدراسة، إذن المزيج المتوازن هو الحل.

حاورت إحدى والدات التلاميذ الذين حققوا مراكز على الجمهورية وعلى مستويات عدة في مجال السباحة، وسألتها: كيف يجمع الولد بين الشقين؟

فأجابتني مؤكدة أنها حرصت على أن يلتحق ولدها بهذا النوع من النشاط منذ سن الرابعة، وهو الآن في الصف الثاني الإعدادي لم ينقطع عن التدريبات صيفًا أو شتاء، في الدراسة يذهب للتمارين ثلاث مرات أسبوعيًا، ويوميًا بالعطلة، وطبعًا يتدرج عدد مرات التمرين بمركز الولد رياضيًا؛ فحين كان في مرتبة أقل كان عدد مرات تدريبه أقل والكثافة أقل وهكذا.

وتقول: كنت أحيانًا أرتب الأمر مع حافلة المدرسة لتعود بالطفل إلى النادي، فيؤدي تمرينه، وما أن ينتهي منه حتى يجدني أمامه لأعود به للمنزل ليكمل واجباته، ثم ينام لا يشعر بمن حوله؛ ليستيقظ حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فيذهب للتمرين صباحًا، وتأتينا الحافلة إلى النادي بعد انتهاء التمرين في السابعة والنصف صباحًا لتحمله إلى المدرسة.

هذا بالطبع نموذج قد ضبطته الأم ليتناسب مع حياتها ومواعيد مدرسة الولد وغيرها من الأولويات التي تختلف من أسرة إلى أخرى، لكن المهم في النهاية ألا يُترك الأمر كلية.

ولما سألتها أن هذا يجهده كثيرًا؟ قالت: وهذا هو المطلوب لمن في مثل سنه أن يشتغل دائمًا بما يصرفه عن أي فائض وقت يُصرف فيما لا ينفع، خاصة في فترة المراهقة الحرجة التي بدأ يدخلها؛ فكل ما يهمه هو أن يحقق دائمًا مركزًا أعلى مما هو فيه، وأن يحطم رقمًا قياسيًا أفضل مما أحرزه سلفًا، فضلا عن أن تمثيله لمدرسته في المحافل الرياضية يملؤه فخرا واعتزازا، ومذاكرته تتم في موعدها؛ لأنه إن لم يُنجزها في وقتها فليس لديه وقت آخر يعوض ما فاته فيه.

أعجبني ذلك النموذج، وإن كان له خصوصيته التي لا تستمر بها كل الحالات، فليس كل من يمارس نشاطًا من أبنائنا أبطالا ولاعبين ذوي مراكز، ولكنهم على الأقل في حاجة إلى المحافظة على وجود نشاط رياضي وثقافي واجتماعي على جدول أعمالهم المزدحم خلال الدراسة، كل على حسب سنه وعامه الدراسي ومسئولياته خلال الدراسة ونسبة الفائض في وقته، المهم ألا تصل نسبة هذا النشاط من حجم النشاط الأسبوعي أو النصف شهري إلى صفر، ويمكن لكل أسرة أن ترتب ذلك على حدة مع قدوم العام الجديد؛ حتى لا نقول لجميع الأنشطة التي يمكن أن ينبغ فيها أبناؤنا: (بيتك.. بيتك؛ فقد جاء هازم النشاطات ومفرق الهوايات.. جاء العام الدراسي)!.